الموقع الرَّسمِی للعَتَبَةِ الرضوِیَّة المُقَدَّسة

1397/4/9 شنبه

دروس من نهج البلاغة( حقیقة الضلال)

.

دروس من نهج البلاغة( حقیقة الضلال)

دروس من نهج البلاغة

حقیقة الضلال، وضرورة التقوی (1)

قال أمیرالمؤمنین عليه السلام:

« شُغِلَ مَنِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ! سَاعٍ[1] سَرِیعٌ نَجَا، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا، وَمُقَصِّرٌ فِي النَارِ هَوَی[2]. الیَمِینُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ[3]، وَالطَّرِیقُ الوُسطَی هِيَ الجَادَّةُ، عَلَیهَا بَاقِي الکِتَابِ وآثَارُ النُّبُوَّةِ، وَمِنهَا مَنفَذُ السُّنَّةِ، وإلَیهَا مَصِیرُ العَاقِبَةِ[4]».

(شُغِلَ مَنِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ):إنّه مصیر الإنسان النهائيّ؛ إمّا نعیم أو جحیم. فأمام هذا الإنسان الجنّة والنار، فإنَّه یستقبلهما من أوّل یوم من أیام التکلیف، ویبقی یتحرّك في اتّجاههما،فیسعی نحو الجنّة ویُعِدّ لها العُدّة من التقوی والعمل الصالح، ویتجنّب النار ویبتعد عن الرذائل والمعاصي والآثام.

(سَاعٍ سَرِیعٌ نَجَا، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا، وَمُقَصِّرٌ فِي النَارِ هَوَی): قسّم الإمام الناس إلی ثلاثة أقسام، وقد ذکر اﷲ الأقسام الثلاثة بقوله تعالی: « فَمِنهُم ظَالِمٌ لِنَفسِهِ وَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَمِنهٌم سَابِقٌ بِالخَیرَاتِ بِإذنِ اﷲِ ذَلِكَ هُوَ الفَضلُ الکَبِیرِ[5]».

القسم الأوّل هو الجادّ النشیط الذي یعمل بجمیع الأوامر الإلهیّة، وینتهي عن کلّ مانهی اﷲ عنه، إنّه یؤدّي ما علیه دون تسویف أو تأخیر، فهو الذي مصیره إلی الجنّة. والقسم الثالث من استولی علیه الشیطان، فأخذ بزمامه، وراح یُغْرِیه بالمعاصي والآثام، إنّه تهاون في أداء الواجبات ولم یرتدع عن المحرّمات، إنّه المقصّر في طاعة ﷲ، المتمرّد علی أمر اﷲ، فمصیره إلی النار.

 أمّا القسم الثاني، فإنسان یعمل ولکنّه ببطء،یخطیء تارة ویصیب أخری، یطیع ویعصي، فهو علی حاله یرجو رحمة اﷲ وغفرانه.[6]

فالرجاء هو ارتياح النفس لانتظار ما هو محبوب عندها، واعلم أنّ الدنيا مزرعة الآخرة والنفس هي الأرض وبذرها حُبّ المعارف الإلهيّة، وسائر أنواع الطاعات جارية مجرى إصلاح هذه الأرض، والنفس المستغرقة بحبّ الدنيا كالأرض السبخة التي لا تقبل الزرع والإنبات لمخالطة الأجزاء الملحيّة.

ويوم القيامة يوم الحصاد، فكما لا ينفع الزرع في أرض سبخة؛ كذلك لا ينفع إيمانٌ مع خبث النفس وسوء الأخلاق. فرجاء العبد لرضوان اﷲکرجاء صاحب الزرع، فإنّه بذرها بذرًا غير متعفّن، ثمّ أمدّه بالماء، ثمّ طهّره عمّا يمنع نباته، ثمّ انتظر من فضل اﷲ رفع الآفات، وكان ذلك رجاءًا في موضعه واستحقّ اسم الرجاء، إلّا أنّه بذر في أخريات الناس أو قصّر في بعض أسبابه، ثمّ أخذ ينتظر ثمرة ذلك الزرع ويرجو اﷲ في سلامته له، فهو من جملة الراجين أيضًا، ومن لم يحصل على بذر أو بذر في أرض سبخة، ثمّ أخذ ينتظر الحصاد فذلك الانتظار حُمْق.

كذلك حال العبد، إن بذر المعارف الإلهيّة في أرض نفسه وهو مبتدأ التكليف، ودام على سَقْيِه بالطاعات، واجتهد في طهارة نفسه عن شوك الأخلاق الرديئة التي تمنع نماء العلم وزيادة الإيمان، وانتظر من فضل اﷲ تعالى أن يثبّته على ذلك إلى زمان حصاد عمله، فذلك الانتظار هو الرجاء المحمود ودرجة السابقين، وإن ألقى بذر الإيمان في نفسه لكنّه قصّر في بعض أسبابه ممّا يوجب ضعفه، ثمّ أخذ ينتظر وقت الحصاد ويعتمد على أنّ اﷲ هو الرزّاق ذو القوّة المتين؛ فيصدق عليه أيضًا أنّه راجٍ، إذ أكثر أسباب المطلوب التي من جهته حاصلة، وهذه درجة القسم الثاني، وهو الطالب الراجي البطئ. وإن لم يزرع من قواعد الإيمان في نفسه شيئًا، أو زرع ولم يَسْقِهِ بماء الطاعة، أو ترك نفسه مشغولة بالأخلاق الرديئة ثمّ انتظر المغفرة والفضل من اﷲ، فذلك الانتظار غرور وليس برجاء، وذلك هو القسم الثالث وهو المقصّر في أسباب الزراعة وتحصيل‏ زاد الآخرة، الهالك أسفًا يوم الحسرة والندامة ...[7]

 

[1]- ساعٍ: الساعي، العامل.

[2]- هوی: سقط.

[3]- الـمَضَلَّةٌ: ضدّ الهدی.

[4]- الشریف الرضيّ، نهج البلاغة، الخطبة 16.

[5]- فاطر: 32

[6]- السیّد عبّاس الموسويّ، شرح نهج البلاغة، 1998،ج:1، ص: 159 بتصرّف .

[7]- میثم بن عليّ بن میثم البحرانيّ: شرح‏نهج‏البلاغة، ج:1، ص:304- 306 بتصرّف.

عدد الزيارات: 48

فايل ها
دروس من نهج البلاغةدروس من نهج البلاغة.jpg45.866 KB
 
سجل
 
 

نظر شما
الاسم
البرید الإلکترونی
الموقع الإلکترونی
التعلیق
 

إقرأ أیضاً بِهذأ الخُصُوص :
دروس من نهج البلاغة -حقیقة الضلال، وضرورة التقوی (2)
دروس من نهج البلاغة
  • 1439/9/11 السبت دروس من نهج البلاغة
    شرح الخطبة 192 من نهج البلاغة: فالله الله في عاجل البغي، وآجل وخامة الظلم، وسوء عاقبة الكبر، فإنّها مصيدة إبليس العظمى، ومكيدته الكبرى الّتي تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة .. .
    سيرة ومعارف أهل البيت
جواب الإمام(ع) على سَبعَة أسئِلَة